الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

341

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الفرد كالشمس والقمر وفيه تأمل فإن قولك كل شمس وكل قمر ولا شمس ولا قمر عام قطعا ويندرج في الحد ومجرد الأفراد الفرضية كاف في صدقه وإن لم يتحقق منها في الخارج إلا فرد واحد ولم يوجد أصلا كما في لا شريك له وقد يورد على الحد المذكور أمور أحدها أن الفعلية تقابل القوة فلا يجتمعان فكيف يفيد حصول أحدهما بحصول الآخر ويدفعه أن عدم اجتماع الأمرين من الأمور الظاهرة فهو قرينة واضحة على سبق القوة فالمراد تناولها حين العموم لما هو صالح له قبل مراده نعم يرد عليه أنه إنما يشمل الألفاظ التي يطردها العموم بسبب إرادته وأما ما يفيد العموم وضعا كأسماء الاستفهام والمجازات فلا يندرج فيه وكذا لفظ كل وجميع ونحوهما مع ما عداهما من ألفاظ العموم كما هو المعروف وثانيها أنه ينتقض بالأطفال إذ ليس متناولا بالفعل لما هو صالح له بالقوة من المشايخ وكذا الحال في العلماء والسلاطين وغيرهما ويدفعه أن لفظ الطفل والعالم والسلطان غير صالح قوة للشيخ والجاهل والرعية غاية الأمر أن يكون ما يطلق عليه قابلا للخروج من ذلك العنوان إلى العنوان الآخر وأين ذلك من صلاحية اللفظة المأخوذة في الحد ثالثها أنه ينتقض بالعشرة ونحوها من أسماء العدد إن أريد مفاهيمهما ويدفعه أن أسامي الأعداد صالحة له أي لا يحصى ولا يراد منها بالفعل إلا مصداق واحد من مصاديقها إلا إذا اقترنت بما يفيد عمومها كقولك كل عشرة وحينئذ يندرج في العام رابعها أنه إن أريد بموارده الجزئيات المندرجة تحته انتقض بالجمع المحلى فإنه إنما يتناول أجزاءه دون جزئياته من مراتب الجموع وإن أريد ما يعم ذلك والأجزاء اندرج فيه أسماء الأعداد فإنها وإن لم يتناول جزئياتها إلا أنها متناولة فضلا لما لا يصلح له من أجزائها ويمكن دفعه بما سيجيء الإشارة إليه سادسها ما اختاره شيخنا البهائي من أن اللفظ الموضوع لاستغراق أجزائه أو جزئياته ويرد عليه تارة أن عدة من ألفاظ العموم ليست موضوعة لاستغراق أجزائها أو جزئياتها وإنما يفيد العموم ظهورا أو من جهة الالتزام كما هو الحال في الجمع المحلى باللام والنكرة في سياق النفي حسبما يأتي الكلام فيها إن شاء الله وتارة أنهم عدوا لفظة كل من ألفاظ العموم وليس كل من الجزئيات جزءا من الكل الاستغراقي ولا جزئيا له ولو جعل لفظة كل أداة العموم وعد مدخوله عاما فهو خارج عن الحد أيضا لعدم وضعه للاستغراق وأخرى أنه يندرج فيه العام المخصوص والمستعمل في غير العموم من جهة المبالغة وغيرها لصدق الحد عليه مع عدم اندراجه إذن في العام هذا ولهم أيضا حدود غير ذلك مذكورة في كلامهم لا طائل في ذكرها وبيان ما يرد عليها والذي ينبغي أن يقال في المقام إن العموم يمكن على وجوه أحدها أن يكون استغراقيا بأن يراد بالعام جميع ما اندرج فيه على وجه يكون كل واحد منها مناطا للحكم المتعلق بالعام ثانيها أن يكون مجموعيا بأن يراد بالعام جميع ما اندرج فيه على وجه يناط الحكم بالمجموع وعلى التقديرين فإما أن يكون شمول اللفظ ملحوظا بالنظر إلى أجزائه أو جزئياته ثالثها أن يكون بدليا بأن يكون جميع الجزئيات المندرجة تحت العام مرادا من اللفظ في الجملة لكن على وجه يناط الحكم بواحد منها على سبيل البدلية وهذه الوجوه الثلاثة مشتركة في الدلالة على الاستغراق وملاحظة الآحاد المندرجة تحت العام اندراج الجزئي تحت الكلي أو الجزء تحت الكل لا أنه يلحظ تلك الآحاد تارة على نحو يكون الحكم منوطا لكل منها وتارة على نحو يكون منوطا بالمجموع وأخرى على نحو يكون منوطا بواحد منها وحينئذ فنقول إن العام هو اللفظ المستغرق لما اندرج تحته من الأجزاء أو الجزئيات فلا يندرج فيه نحو العشرة إذ ليس كل من الآحاد ملحوظا فيهما وأما الملحوظ هناك هو المجموع بما هو مجموع كما هو المفهوم من معنى العشرة فالفرق بين العشرة والعام المجموعي أن كلا من الآحاد ملحوظ في العام المجموعي بالملاحظة الإجمالية إلا أن الحكم منوط بالمجموع بخلاف الأسماء العدد فإنه لا يلاحظ فيه إلا الكل بما هو كل وأما الجمع المنكر فهو وإن لوحظ فيه الوحدات إلا أنه ليس بمستغرق لآحادها وأما المثنى فهو وإن كان مستغرقا لما اندرج فيه على الوجه المفروض إلا أنه ليس ما اندرج فيه مصداقا للجميع ليندرج في الحد وأما العموم البدلي المفهوم من الإطلاق كما في أعتق رقبة فليس من مدلول اللفظ إذ ليس مفاد اللفظ هناك سوى فرد ما وهو معنى صادق على كل من الآحاد فليس كل من الآحاد هناك مدلولا لللفظ أصلا قوله اختلفوا في العموم هل هو من عوارض الألفاظ خاصة أو المعاني أيضا بعد أن حكي الاتفاق على كونه من عوارض الألفاظ كما في النهاية والمنية وكشف الرموز على أقوال أحدها أنه من عوارض الألفاظ ولا يطلق العام إلا عليها وإطلاقها على المعاني مجاز وحكي عن جماعة من الخاصة والعامة كالسيد وظاهر الفاضلين والشهيد وشيخنا البهائي وأبي الحسين البصري والغزالي والبيضاوي وعزي ذلك إلى الأكثر بل حكي عن البعض المنع من إطلاقه في غير الألفاظ حقيقة ومجازا ثانيها أنه حقيقة في المعنى الأعم من الأمرين وحكي عن جماعة منهم القاضي والعضدي ثالثها أنه مشترك لفظي بين الأمرين ذهب إليه الشيخ في ظاهر العدة وحكاه عن قوم من الأصوليين حجة القول الأول وجوه الأولى أنه حقيقة في شمول الألفاظ اتفاقا حكاه الجماعة المذكورون فيكون مجازا في غيره دفعا للاشتراك والثاني أنه المتبادر منه عند الإطلاق وهو علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز ثالثها أنه لو كان حقيقة لاطرد ويقال عم الإنسان وعم الجدار وعم البلد مع أنه لا يطلق معها إلا أن يقال إنه لا بد في الإطلاق من حصول معناه على الوجه المذكور المأخوذ في التسمية وهو غير حاصل في تلك الماهية وقيل باختصاصه بالمعاني العرضية وهو مطرد فيه فيكون علامة على الحقيقة حجة الثاني الأصل لإطلاقه على الأمرين فيكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز ثانيها أن العموم لغة الشمول وهو حاصل في المقامين وحجة الثالث أنه اشتمل على الوجهين فيكون حقيقة في الأمرين قلت لا يخفى أن محل النزاع في هذه المسألة غير منقح في كلامهم بل الخلاف فيه غير متصور فإن العموم لا يطلق على شمول شيء لأشياء في حصوله لها فيكون الشمول مباينا للشامل كما في عموم المطر للأراضي وعموم الخصب للبلاد وعموم الحاجة للممكنات وقد يطلق على عمومه في الصدق عليها كما هو الحال في عموم المفاهيم الكلية كالإنسان أو الحيوان لمصاديقها وهذا هو العموم الملحوظ عند أهل المعقول وقد يدرج ذلك في المعنى الأول على أن يراد به شمول شيء لأشياء ما صدقا أو حصولا وقد يطلق على شمول اللفظ في الدلالة لجميع جزئيات مدلوله أو أجزائه حسبما مر فإن كان الكلام في تعيين مفاد العموم بحسب اللغة فمن الواضح الذي لا مجال للريب فيه كونه في اللغة بمعنى الشمول الصادق على الوجه الأول على نحو الحقيقة ولذا